محمد ابو زهره
522
خاتم النبيين ( ص )
والأمر الثالث الذي ينهى الحرب هو الانتصار للمؤمنين ، والاستسلام من الكافرين ، وهو النوع الثالث من الصلح الذي ذكرناه آنفا . معاملة المهزومين 359 - تبدو السماحة المحمدية ، والرفق على أهله في الحرب النبوية عند هزيمة العدو واستسلامه ، ويلاحظ أنه في حرب محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، لم يهزم المؤمنون هزيمة فيها استسلام قط ، إذ أنه لم ينتصر خصوم الإسلام انتصارا ساحقا قط في عصر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، والراشدين من بعده . وإنه لما هزم المسلمون في غزوة أحد لم يستسلموا ، لأن الاستسلام فيه ذلة ، والإسلام دين العزة والكرامة ، فلا يمكن أن يستسلم المؤمنون بقيادة محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، بل إنه عليه الصلاة والسلام جمع متفرق الجيش ، وأراد أن يتبع به المشركين ، فلما علموا هم بذلك مضوا في طريقهم قافلين ، ورضوا من الغنيمة بالإياب ، إذ علموا أنه مؤيد من عند اللّه ، وأنه يجاهد في سبيله . وإذا كانت الحرب تنتهى باستسلام العدو فمحمد عليه الصلاة والسلام في حرب النبوة لا يقول مقالة الغاشمين ، ويل للمغلوب ، بل تكون العدالة ، وتكون السماحة والرفق المحمدي . كانت آخر حرب للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم مع قريش هي التي انتهت بفتح مكة المكرمة للإسلام والمسلمين ، وهنا يلتقى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم مع من آذوه ، وأعنتوا أصحابه ، وساموهم سوء العذاب ، ومنهم من مات من شدة التعذيب ، وقد هموا بقتله صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ولكنهم كانوا يمكرون ويمكر اللّه واللّه خير الماكرين . التقى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بهم ، وبكبير حرب الشرك أبي سفيان ، فنشر عليه الصلاة والسلام ، وهو الغالب والمسيطر ، راية الأمان عليهم ، فنادى مناديه عليه الصلاة والسلام : « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن ، ومن دخل داره فهو آمن » . وهكذا كان انتصار النبي عليه الصلاة والسلام الرفيق الرؤف الرحيم نشرا للأمان في ربوع مكة المكرمة حول بيت اللّه سبحانه وتعالى الحرام . ولما التقى بالملأ من قريش ، قال لهم : « ما تظنون أنى فاعل بكم ؟ ! قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ، قال لهم : أقول ما قاله أخي يوسف : لا تثريب عليكم اليوم ، يغفر اللّه لكم وهو أرحم الراحمين ، اذهبوا فأنتم الطلقاء » . أي حرب تنتهى بهذه السماحة وذلك